حبيب الله الهاشمي الخوئي
353
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وقوله عليه السّلام ( إن أوحشتهم الغربة آنسهم ذكرك ) يعني إن استوحشوا من غربتهم وغيبتهم عن أوطانهم الأصليّة وعن كونهم مسجونين في سجن الدّنيا استأنسوا بذكرك بلسانهم وجنانهم وبالتفكَّر في ذاتك وصفاتك وجلالك وجمالك . وهو إشارة إلى انسهم باللَّه كما أنّ ما تقدّم من قوله عليه الصّلاة والسّلام : إنّك آنس الانسين لأوليائك ، إشارة إلى انس اللَّه تعالى بهم حسبما عرفت تفصيلا وتحقيقا ، والانس به تبارك وتعالى من صفات الأولياء المقرّبين والكملين في محبّته عزّ وجلّ كما قال الشّاعر : الانس باللَّه لا يحويه بطَّال وليس يدركه بالحول محتال والانسون رجال كلَّهم نجب وكلَّهم صفوة للَّه عمّال وقالت رابعة العدوّية : أحبّك حبّين حبّ الهوى وحبّا لأنّك أهل لذاكا فأمّا الَّذى هو حبّ الهوى فشغلى بذكرك عمّن سواكا وأمّا الَّذى أنت أهل له فكشفك لي الحجب حتّى أراكا فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي ولكن لك الحمد في ذا وذاكا وينبغي أن يعلم أنّ الانس باللَّه أيضا من آثار المحبّة له تعالى كالشوق إليه عزّ وجلّ حسبما عرفت قريبا لكنّ هذين الأثرين يختلفان على المحبّ بحسب اختلاف حالاته . فانّه إذا غلب عليه التّطلَّع من وراء حجب الغيب إلى منتهى الكمال واستشعر قصوره عن الاطَّلاع على كنه الجلال انبعث القلب وانزعج له وهاج إليه وتسمّى هذه الحالة في الانزعاج شوقا . وإذا غلب عليه الفرح في القرب وكان نظره مقصورا على مطالعة ما أدركه من الجمال غير ملتفت إلى ما لم يدركه بعد استبشر القلب بملاحظة الجمال المدرك فيسمّى استبشاره انسا .